سهيلة عبد الباعث الترجمان

215

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

مغالق أبوابها ، والحمد للّه الذي خصني برؤيته « 1 » فهذا كان حال ابن عربي وهو صبي ما بقل وجهه ولا طرّ له شارب ، فكيف بابن عربي وقد تحقق بالعلم اللّدنيّ وهو معتكف على مراقبة قلبه عند باب ربه ، ويتجلى لنا ذلك في رسالته إلى الفخر الرازي في نصحه وتوجيهه إلى طريق المعرفة القلبية والاتجاه نحو العلوم الإلهية بدل النظر والفكر التي قامت عليها فلسفته ، مما يدلنا على طول باعه في التصوف وبعده عن التفلسف ونفي التهمة التي ألحقها به خصومه إذ علومه فوق طور العقل ، فما وجدت سبيلها إلى عقول أصحاب النظر الفكري فنراه يقول له : " . . . قد وقفت على بعض تواليفك وما أيدك به اللّه من القوة المتخيلة وما تتخيله من الفكر الجيد . ومتى ما تغذّت النفس كسب يديها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب ، وتكون ممن أكل من تحته ، والرجل من أكل من فوقه كما قال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ « 2 » وليعلم وليّ . . . إن الوراثة الكاملة هي التي تكون من كل الوجوه لا من بعضها ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فينبغي للعاقل أن يجتهد لأن يكون وارثا من جميع الوجوه ولا يكون ناقص الهمّة . وقد علم وليّ . . . أن حسن اللطيفة الإنسانية إنما يكون بما تحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضد ذلك ، وينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في المحدثات وتفاصيلها فيفوته حظه من ربه ، وينبغي له أيضا أن يسرّح نفسه من سلطان فكره ، فإن الفكر يعلم مأخذه ، والحق المطلوب ليس ذلك ، وأن العلم باللّه خلاف العلم بوجود اللّه . . . ويجل اللّه سبحانه وتعالى أن يعرفه العقل بفكره ونظره ، فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة اللّه تعالى من حيث المشاهدة ، وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقّيه عند هذا من عالم الخيال . . . وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه وشاهده مؤنثا متعلقا بالأخذ من النفس الكلية ، كما ينبغي له أن لا يتعلق بالأخذ من فقير أصلا وكل ما لا كمال له إلّا بغيره ، فهو فقير ، . . . فارفع الهمة في أن لا تأخذ علما إلّا من اللّه تعالى على الكشف ، فإن عند المحققين أن لا فاعل إلّا اللّه . . . واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيها الغاية

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص . ص 153 - 154 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 66 م .